الشاي الساخن في الضيافة اللبنانية.. عادة متوارثة للتبريد قبل أن تكون للترحيب
تحقيق : وفاء عساف

في عدد من البلدات والقرى اللبنانية، ولا سيما في المناطق الجبلية والريفية، لا يزال تقديم كوب من الشاي الساخن للضيف عند وصوله، حتى في أشد أيام الصيف حرارة، من العادات المتوارثة التي تحمل أبعادًا اجتماعية وصحية في آن واحد.
ورغم أن كثيرين يستغربون تقديم مشروب ساخن في الطقس الحار، يؤكد كبار السن أن الهدف لم يكن الضيافة فقط، بل الاعتقاد بأن الشاي الساخن يساعد الجسم على التبريد. ويستند هذا الاعتقاد إلى أن المشروب الساخن يحفز التعرق، ومع تبخر العرق من الجلد تنخفض حرارة الجسم، شرط أن يكون الشخص في مكان يسمح بتبخر العرق وألا تكون الرطوبة مرتفعة جدًا.
ويشير أطباء ومتخصصون في فسيولوجيا الجسم إلى أن هذا المفهوم له أساس علمي، إذ إن تناول مشروب ساخن قد يزيد التعرق بدرجة طفيفة، ما يساهم في تبريد الجسم إذا كانت الظروف البيئية مناسبة. لكنهم يوضحون أن تأثيره ليس كبيرًا لدى الجميع، كما أن الإكثار من الشاي قد يزيد فقدان السوائل، لذلك تبقى المياه الوسيلة الأفضل لتعويضها.
أما من الناحية التراثية، فيرتبط الشاي في لبنان بمعاني الكرم وحسن الاستقبال، إذ اعتادت عائلات في البقاع، وعكار، والشمال، وجبل لبنان، والجنوب، تقديمه فور وصول الضيف، سواء في الصيف أو الشتاء، باعتباره رمزًا للترحيب والراحة.
ويؤكد باحثون في التراث الشعبي أن كثيرًا من العادات الغذائية انتقلت عبر الأجيال نتيجة الخبرة اليومية، قبل أن تجد بعض تفسيراتها العلمية لاحقًا، فيما بقي بعضها الآخر جزءًا من الموروث الاجتماعي أكثر منه قاعدة صحية ثابتة.
وهكذا، يبقى كوب الشاي الساخن في الضيافة اللبنانية تقليدًا يجمع بين الكرم والإرث الشعبي، ويحمل في بعض المناطق قناعة متوارثة بأنه يساعد على تلطيف حرارة الجسم، وهي قناعة يدعمها العلم جزئيًا في ظروف محددة، دون أن يجعلها قاعدة عامة لجميع الأشخاص والبيئات.