مجزرة النبطية… حين اغتالت إسرائيل البلدية، فأحيت مدينةً بأكملها

الإعلامية جومانة كرم عياد

الإعلامية جمانة كرم عياد

حين اغتالت إسرائيل المجلس البلدي في النبطية ـ أحيت مدينة بأكملها

مجزرة النبطية – 16 تشرين الأول 2024

لم تكن مجزرة عادية. لم تكن غارة طائشة في زحمة حرب. كانت قراراً.

قرار باغتيال بلدية.

في 16 تشرين الأول 2024، الساعة العاشرة والنصف صباحاً، كانت مدينة النبطية مدينة أشباح.

منذ 23 أيلول والقصف لا يهدأ. 90% من أهل المدينة نزحوا. أسواق النبطية الشهيرة، التي لا تنام، نامت لأول مرة منذ مئة عام. الأبواب حديد، الشبابيك مسكّرة، الشوارع فاضية إلا من صدى الغارات.

إلا مبنى واحد في وسط المدينة، بقي ضوّه شاعلاً كل يوم.

مبنى بلدية النبطية.

في الداخل، لا يوجد ملجأ فاخر، ولا غرفة عمليات عسكرية. يوجد طاولة خشب طويلة، عليها أكياس طحين، وكراتين دواء، ودفاتر قديمة.

على كل دفتر اسم.

“عيلة أبو خليل – 5 أشخاص – بدهم خبز”
“الحاجة أم حسين لحالها – بدها دواء ضغط”
“أطفال حي الميدان – بدهم حليب”

هذه كانت ترسانة البلدية.

حول الطاولة، كل صباح، يجتمع نفس الوجوه.

الدكتور الحاج أحمد كحيل رئيس البلدية. طبيب الناس. وحيد أمه، وطبيب الفقراء. كان يستطيع أن يكون في بيروت، في مستشفى آمن، مع عائلته. قيل له يومياً: “حكيم فلّ، الوضع خطر”. كان يرد بجملة واحدة أصبحت وصية المدينة كلها:
“لستُ بتاركٍ أهلي وهم في كربةٍ ضعفاءُ”

إلى جانبه، الحاج صادق عيسى. الرجل الذي يعرف النبطية بيتاً بيتاً. لا يحتاج لخريطة. يعرف من مريض، ومن جوعان، ومن بقي. لم يكن موظفاً، كان ذاكرة المدينة.

ومعهم، باقي المجلس. 14 روحاً أخرى. شباب من الدفاع المدني، موظفون، متطوعون. كلهم أبناء النبطية. كلهم قالوا “ما بنفلّ”.

16 شخصاً قرروا أن يكونوا آخر بلدية تقاوم بالخبز.

الساعة 10:30، بينما كانوا يوزعون الأدوار: “أنت بتاخد الخبز على حي السراي، وأنت بتاخد الماء على حي البياض”، حدث ما لم يحدث في تاريخ لبنان.

عشر غارات إسرائيلية متتالية على نفس المبنى.

ليست غارة واحدة أخطأت الهدف. عشر غارات. واحدة وراء واحدة. حتى تأكدوا أن المبنى سُوّي بالأرض. حتى تأكدوا أن الطاولة انكسرت. حتى تأكدوا أن لوائح الأسماء اختلطت بالدم.

ارتقى 16 شهيداً في لحظة واحدة. وهم واقفون. وهم يخدمون.

بعد ساعتين، خرج المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي ليقول: “قصفنا مخزن أسلحة لحزب الله داخل بلدية النبطية”.

كذب.

الصور التي خرجت من تحت الركام فضحتهم. لا يوجد سلاح. يوجد كيس طحين ممزق، وعلبة دواء ضغط مفتوحة، ودفتر أسماء مبلل بالدم.

حتى القانون الدولي، الذي تعود على صمتنا، لم يستطع أن يصمت. المفكرة القانونية وثقتها *جريمة حرب رقم 16*: استهداف متعمد لمبنى مدني محمي، يقوم بمهمة إغاثية، أثناء دوام رسمي، بدون أي تحذير مسبق.

المحافظة قالتها، الحكومة قالتها، الأمم المتحدة سجلتها: كانوا يوزعون مساعدات.

إسرائيل لم تقصف بلدية. قصفت فكرة.

فكرة أن هناك من يبقى مع الناس عندما يرحل الجميع.
فكرة أن البلدية ليست مبنى، بل وفاء.
فكرة أن النبطية لا تترك أهلها.

وظنت أنها بذلك تقتل المدينة.

فأخطأت الحساب.

منذ 16 تشرين، حدث العكس تماماً.

البلدية التي اغتيلت، أحيت مدينةً بأكملها.

اليوم، كل بيت في النبطية أصبح بلدية.

الخباز الذي فتح فرنه رغم القصف، هو أحمد كحيل.
الشاب الذي يوصل الدواء للختيارة، هو صادق عيسى.
المتطوع الذي يكنس الركام، هو واحد من الـ 14.

المبنى راح. لكن الطاولة لم تذهب.

الطاولة انتقلت. صارت في كل بيت. صارت في كل قلب. صارت في نظرة كل جنوبي يقول: نحن باقون.

نظرة النبطية اليوم ليست نظرة حزن فقط. هي نظرة وفاء. نظرة تحدٍ. نظرة تقول: قتلتم البلدية، فصار كل واحد منا بلدية.

16 شهيداً ارتقوا وهم يوزعون الحياة، في وجه من يوزع الموت.

لن ننسى أسماءهم.
لن ننسى طاولتهم.
لن ننسى لوائحهم.

رحم الله شهداء بلدية النبطية الستة عشر.
16 تشرين الأول 2024 – ذكرى خالدة – مجزرة النبطية.

شارك المقال:

زر الذهاب إلى الأعلى