شتلة الصمود: التبغ بين الحرب وذاكرة الأرض في قرى الجنوب اللبناني
بقلم الاعلامي الزميل علي مراد

كتب الاعلامي الزميل في موقع «هوانا لبنان» الأستاذ «علي مراد»
يا شتلةَ التبغ المُرّة..
في القرى الجنوبية الحدودية في لبنان، لا تُعدّ زراعة التبغ مجرد نشاط زراعي موسمي، بل تشكّل ركيزة أساسية في البنية الاقتصادية والاجتماعية، وعموداً معيشياً لآلاف العائلات . فهي ليست محصولاً يُزرع ويُحصَد فقط، بل منظومة حياة متكاملة تبدأ من الأرض ولا تنتهي عند نهاية الموسم.
تساهم زراعة التبغ في تشغيل الأيدي العاملة المحلية، والحد من الهجرة من الريف إلى المدن، كما تُسهم في إبقاء الأهالي متجذرين في أرضهم رغم الظروف الصعبة. لذلك يُنظر إليها كعامل أساسي في تنشيط الحياة الريفية واستمرارها في القرى الجنوبية، حيث ترتبط دورة الزراعة بحياة الناس اليومية وسبل عيشهم.
قبل اندلاع الحرب، كان المزارعون قد بدأوا فعلياً بزراعة المشاتل، واستعدّوا لمرحلة نقل الشتول إلى الأرض، في موسم كان يُفترض أن يكون امتداداً طبيعياً لدورة زراعية اعتيادية تحمل معها أملاً بموسم إنتاج جديد. لكن مع اندلاع الحرب في عام 2024، اصطدم هذا الأمل بواقع مختلف تماماً، حيث توقفت الاستعدادات الزراعية وتعطلت خطط المزارعين في عدد من القرى الحدودية.
ورغم ذلك، بقي التمسك بالأرض حاضراً. إذ أصرّ العديد من الأهالي على العودة إلى الزراعة قدر المستطاع، في محاولة للحفاظ على مصدر عيشهم، وسط ظروف أمنية قاسية وغير مستقرة.
ومع تصاعد الأحداث، بات الأهالي ينظرون إلى قراهم عبر صور الأقمار الصناعية، حيث تظهر مساحات زراعية يُفترض أن تكون خضراء في الجنوب، بعضها ما زال صامداً رغم الظروف، وبعضها الآخر تضرر بفعل الاعتداءات، في مشهد يعكس حجم التحول الذي أصاب المنطقة خلال الحرب.
في كثير من النصوص والشهادات المحلية، تُوصف شتلة التبغ بأنها “شتلة الصبر والصمود”، لأنها قادرة على الاستمرار في النمو رغم القسوة المحيطة بها، سواء في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، أو الحروب المتكررة، أو شحّ الموارد الزراعية. هذا الوصف يعكس علاقة الفلاحين العميقة بهذا المحصول الذي يشبههم في صبرهم وثباتهم.
من الزراعة إلى القطاف، وصولاً إلى مرحلة التجفيف، تمرّ شتلة التبغ بسلسلة طويلة وشاقة من العمل اليدوي. إنه جهد جسدي كبير ومتواصل، إلا أن الفلاحين يواصلونه رغم كل الصعوبات، لأن هذا الموسم يشكّل بالنسبة إليهم مصدر الدخل الأساسي والضروري لاستمرار حياتهم.
ولا تقتصر أهمية التبغ على البعد الاقتصادي، بل تمتد إلى البعد التراثي والاجتماعي، إذ يُعدّ جزءاً من هوية الأرض الجنوبية، وممارسة متوارثة بين الأجيال، تنتقل من الآباء إلى الأبناء، محافظةً على شكل من أشكال الاستقرار الريفي في منطقة تعاني من أزمات متراكمة.
كما تشكّل شتلة التبغ بالنسبة لكثير من العائلات في الجنوب “لقمة عيش” حقيقية، تؤمّن دخلاً سنوياً يعتمد عليه آلاف المزارعين لتأمين احتياجاتهم الأساسية، في ظل غياب بدائل اقتصادية كافية في المناطق الحدودية.
وتشير المعطيات الصادرة حديثاً عن مؤسسة حصر التبغ والتنباك اللبنانية إلى أن قطاع التبغ لا يزال يشكّل ركيزة أساسية للاقتصاد الريفي في لبنان، رغم التحديات المتفاقمة. وقد أكدت المؤسسة في آخر بياناتها أن محصول التبغ في عدد من المناطق المتضررة لم يتجاوز نحو 40% من معدلاته الطبيعية، نتيجة الظروف الأمنية وصعوبة وصول المزارعين إلى أراضيهم، ما يعكس حجم الضربة التي تلقّاها هذا القطاع الحيوي. وفي المقابل، شددت على استمرارها في دعم المزارعين عبر تقديم تسهيلات ومساعدات زراعية، في محاولة للتخفيف من الخسائر والحفاظ على استمرارية هذا المورد الأساسي لآلاف العائلات، في إشارة واضحة إلى صمود هذا القطاع رغم قسوة المرحلة.
لكن منذ عام 2024، تضررت المواسم الزراعية في عدد من القرى الحدودية بشكل متكرر، حيث تجاوزت الخسائر ثلاثة مواسم في بعض المناطق، نتيجة الظروف الأمنية، وصعوبة الوصول إلى الأراضي الزراعية، وتوقف العديد من الأنشطة الإنتاجية.
وبين أرضٍ تُحرَق وأخرى تُزرَع، تبقى شتلة التبغ في الجنوب أكثر من مجرد موسم زراعي؛ إنها حكاية صمود تُكتب كل عام بأيدي الفلاحين، الذين يواجهون القلق بالعمل، والخسارة بالأمل، والغياب بالتمسّك بالأرض.
وفي زمنٍ تتبدّل فيه الملامح سريعاً، تبقى هذه الشتلة شاهداً حيّاً على أن الأرض، مهما اشتدّت عليها الأزمات، لا تنسى أصحابها.. وأن من يزرع فيها صبراً، لا بدّ أن يحصد بقاء.