حين يتحوّل الفراغ إلى رأي.. ويُقدَّم الجبن على أنه حكمة

بقلم الزميلة خديجة نور الدين

ليس كل من تكلّم فكّر، وليس كل من ارتدى عمامة صار صاحب موقف. فبعض الخطابات لا تُقال لتشرح الواقع، بل لتخدّره، ولا تُطلق لتوقظ الوعي، بل لتبرّر الاستسلام بعبارات منمّقة. وهنا تحديدًا يولد هذا النوع من الكلام: كلامٌ يشبه صاحبه، كثير الضجيج، معدوم الجوهر.
الحديث عن سماحة الأمين العام الشيخ نعيم قاسم وكأنه تفصيل عابر في نشرات التهريج السياسي، ليس سوى دليل على إفلاسٍ أخلاقي قبل أن يكون إفلاسًا فكريًا. فمن لا يملك مشروعًا، يهاجم من يملك موقفًا. ومن لم يعرف معنى الكرامة، يطالب الآخرين بتسليمها تحت عنوان “العقلانية”.
الفلسفة تُعلّمنا أن الحقيقة لا تُقاس بعلو الصوت، بل بثبات الموقف. والسياسة تُثبت أن من يدعو إلى نزع القوة في زمن الافتراس، لا يفعل ذلك حبًا بالسلام، بل خوفًا من المواجهة. أما السخرية السوداء، فهي أن يُقدَّم الخضوع كخيار شجاع، وأن يُتَّهَم من حمى الأرض بأنه عبء على الوطن.
أي عقلٍ هذا الذي يرى في السلاح مشكلة، ولا يرى في العدو خطرًا؟
أي منطقٍ هذا الذي يطالب الضحية بالتجرّد، بينما يُعفى الجلاد من المساءلة؟
وأي “دين” هذا الذي يُستخدم كستار لتمرير خطابٍ يتطابق حرفيًا مع ما يريده الخصم؟
الشيخ نعيم قاسم لم يكن يومًا خطيب هواء، بل رجل فكرة. والفكرة أخطر من الرصاصة، لأنها لا تُقتل. من هنا هذا الذعر منها. ومن هنا هذا السعي المحموم لتشويهها، لأن من لا يستطيع هزيمة المشروع، يحاول تشويه رمزه.
السياسة، في جوهرها، ليست حيادًا بين الحق والباطل، بل انحياز واعٍ. ومن يختار الوقوف في المنطقة الرمادية حين تكون المعركة واضحة، فهو لم يختر الحكمة، بل اختار السلامة الشخصية. والتاريخ، للأسف على أمثال هؤلاء، لا يكتب أسماء المتفرجين، بل أسماء من وقفوا ودفعوا الثمن.
في النهاية، لا المشكلة في رجلٍ قال كلامًا فارغًا، بل في من يظن أن الفراغ يمكن أن يُقنع أمةٍ جرّبت الاحتلال، ودفعت الدم، وتعلّمت أن الكرامة لا تُسلَّم… بل تُنتزع.

شارك المقال:

زر الذهاب إلى الأعلى