رحلة فتى حيّ «شرشبوك» إلى الأممية

الاعلامية زينب الموسوي

لم يكن استشهاد السيد حسن نصرالله حدثاً عادياً في تاريخ المقاومة، بل محطة كبرى هزّت القلوب وارتسمت في الوعي الجمعي للشعوب العالمية والإسلامية.

من حيّ «شرشبوك» الفقير الذي صاغ أولى ملامح شخصيته، إلى المخيمات الفلسطينية التي بكته كأنها فقدت فلسطين نفسها، إلى اليمنيين الذين كان ناصرَهم، وصولاً إلى القوميين والاشتراكيين في الشرق والغرب الذين رأوا فيه قائداً أممياً يتجاوز حدود الطائفة والوطن. تتقاطع الشهادات لتؤكد أن رحيله هو ولادة جديدة لوعي جمعي يوحّد الأمة على درب المقاومة والتحرير.
صديق طفولة السيد: قهرني بالغياب مرّتين

آخر رسالة كتبتها له كانت عام 2018. كانت رسالة «نوستالجيا»، تأريخاً لذكرياتنا المشتركة، أحثّ فيها مشاعره على الحنين إلى ما خلا، وإلى ذاك الحي الذي غادره وبقيَ في داخله، وأظنّه حمله في كلّ مسيرته، حتى استُشهد معه. حمّلت الرسالة بذكريات تجربتنا الشخصية، من أكثرها سطحية إلى أعمقها، أسأله فيها: «هل تذكر جلوسنا في هذا المكان وذاك، في حيّ شرشبوك، نناقش قضايا الأمة؟».

كان ذلك في طفولتنا، حيث ترعرعنا سوية في شرشبوك، ذاك الحي الذي يحمل كلّ أحزمة بؤس العالم، بمنازله من التنك والحجر والخشب. ذلك الحي الفقير الذي كان خليطاً بشرياً جمع الأرمن والسوريين والفلسطينيين واللبنانيين والأتراك والمسيحيين والعلويين… وكان أوسع المختبرات التي تُكوّن الوعي الجمعيّ، حيث جمع العالم بطبقاته كافة، ومهجّري الأرض وآلامهم وفقرهم وعذاباتهم، في بقعة جغرافية أصغر من ضمّ ذراعين.

هناك، حيث كان أوّل لقاء له مع عائلتي يوم وُلِد على يدي جدتي، فصار فرداً من عائلة تكنّ له كلّ الحبّ. كانت جدّتي ترى فيه «طفلاً غير عاديّ»، ووالدتي تحثّني على البقاء بقربه. زاد ذلك يوم رأى والده ذلك «الحلم»، فصار حديث الساعة في منزلنا، يُتداول باستمرار، ويزيد العاطفة اتجاهه.

أمّا أنا، فقد كان بالنسبة إليّ الرفيق والمربّي. تجمعني به نشاطات مختلفة، بدءاً بشغفنا بمجلات الكارتون، كـ «سوبرمان»، التي كنا نتبادلها لعدم امتلاكنا المال الكافي لشرائها، وتأثُّرنا بتشي غيفارا -فقد عِرته كتاباً له- وبِغارو (الذي كان يأخذ من الأغنياء ليعطيَ الفقراء) والسيّد موسى (بعدما ظهر)، وصولاً إلى إنشاء أوّل مقهى سياسيّ لنا، «دكّان والده»، نجتمع فيه لنناقش كل ليلة خميس، مع رفاق الحي، قضايا الأمّة وهمومنا المشتركة.

كنت أصغره بأربع سنوات، لذا كان لا بدّ له من أن يشرح لي كلّ تفصيل كي أستوعبه. وهناك، بدأ يُسهم في تشكيل وعيي السياسي. وأذكر أنّ أوّل قضية سياسية تناقشنا فيها، كانت الحرب «التركية-اليونانية» عام 1974.

كان يثير فيَّ دائماً إعجاباً بقدرته على إمساك الخيوط: متابعة الأحداث، ربط التفاصيل، تقييم هادئ لما يجري. مردّ ذلك إلى أنه عند كل مساء، يجلس جنبي ويراجع كل ما حدث خلال اليوم، فيعيد ترتيب الحكاية، ويمنحني قدرة على استيعابها. كان عليه أن يشرح لي كلّ شيء، وكنت أهوى ذلك. مثلاً، اشتريت مرة كتاب تفسير للقرآن ولم أتمكّن من فهمه، فأخذ على عاتقه مهمة تفسيره لي، كذلك بالنسبة إلى كتاب «المراجعات» للسيد عبد الحسين شرف الدين.

كما شرح لي فيلم «العرّاب» الذي شاهدناه سوياً، بسبب عدم قدرتي على استيعابه. لقد كانت السينما جزءاً من شغفنا المشترك، وقد أثرت فيه أفلام «بروسلي» كثيراً.

لم تقف الطائفية يوماً عائقاً بيني وبينه. فأنا «السنيّ»، لم أتردد يوماً في الذهاب معه من «شرشبوك» إلى برج حمود، سيراً على الأقدام -لعدم توافر المال-، لنستمع إلى محاضرات السيد محمد فضل الله. كنا نذهب وفي جعبتنا كثير من الأسئلة، ونعود محمّلين بأسئلة أكثر.
ورغم أنه كان كلّ شيء، رحل. ترك «شرشبوك» وذهب للسكن في برج حمود، تاركاً فيّ ندبة كبيرة وفراغاً عظيماً. ولكن، ما عزّاني، أنه كان يتتبّع أخباري ويسأل عني باستمرار، ومن جهتي، أكتب إليه رسائل بين الفينة والأخرى.

ففي عام 2004، حين خضعت لعملية جراحية نتيجة إصابتي في انتفاضة 6 شباط عام 1984، جعلتني مُقعداً، أرسل إليّ مصحفاً، كتب عليه تهنئة بالسلامة. كذلك عند زواجي. ولكن رسالة الاطمئنان التي أثرت فيّ أكثر، كانت يوم سأل عني «هل ما أزال على النهج؟»، مدفوعاً بهاجس أن يميل أحد رفاق طفولته عن الصراط، فكتبت إليه «وصلني أنك سألت أين أصبحت؟

وأظن أنني سأسبقك إلى الجنة». كان لديّ اعتقاد دائم بأنني سأموت قريباً، متأثراً بجراحي، ولم أتخيّل يوماً أنه سيسبقني إلى الجنة.

أتذكر أنه من المرات القليلة التي كان ينظر إليّ بغبطة، كانت نتيجة أنّ والدي «فدائيّ»، وأنني كنت أخضع لتدريبات مستمرة. كنت أراها تفيض من عينيه عندما كان يسألني «لمَ لمْ أرَك بالأمس»، فأجيبه أنني كنت في تل الزعتر. ولكن، قُدّر له -بترتيب إلهي- أن يصبح «الفدائيّ الأعظم». فلقد اختار أن يقع على الموت، لا أن يقع الموت عليه.

وهذا هو الرحيل الثاني، الذي لا عزاء يخفف وطأته، وبعده، لا ألمَ يُحكى. ففي منزلنا، عند كل خطب يُقال: «معليش، ما الغالي راح». لقد وزّعت صوره على جدران المنزل كلها، علّني أشعر بوجوده كيفما التفتّ. ولو خُيّرت اليوم بين أن أقف على قدميّ وأسير، أو يظهر السيد ليلقي خطاباً لخمس دقائق فقط، لاخترتُ أن أبقى مُقعَداً وخمسَ دقائق مع السيد.

المخيمات الفلسطينية في فقدان السيد: ألم بحجم فلسطين
منذ لحظة الإعلان عن استشهاد السيد حسن، خيّم على المخيمات الفلسطينية في لبنان وجع غير مسبوق. كان الحدث بالنسبة إلى اللاجئين الفلسطينيين صدمة وجودية هزّت تفاصيل حياتهم، وأيقظت حزناً بحجم فلسطين نفسها.

من مخيم مار الياس، الذي فُتِح فيه، يوم 28 أيلول 2024، منزلٌ لتقبُّل التعازي بالسيد، يقول المناضل صلاح صلاح، إن «الحزب بقيادة السيد نصرالله بذل الجهد للانفتاح على الآخر، بغض النظر عن الاختلاف الأيديولوجي أو الديني وأقام علاقات مع جميع الفصائل، وسهّل لبعضها علاقات مع إيران مدّته بالسلاح والمال، ما عزز صمودها، ولا سيما في غزة». وأضاف أن السيد طرح موضوع تحرير فلسطين، لا كشعار، بل كإمكانية قابلة للتحقق.

كما بقيادته، وفّر محور المقاومة «شريكاً لفلسطين يقدم معها ضريبة الدم والدمار». مشيراً إلى أن فقدان السيد يذكره بفقدان عبد الناصر، مع اختلاف أن من خلَفوا نهج نصرالله «سيبقون أوفياء لعهدهم له وسيلتزمون بنهج النضال حتى النصر أو الشهادة».

أما في مخيم البداوي، فقد ارتفعت أصوات النعي من مآذن المخيم يوم 28 أيلول، بصوتٍ بحّه هول المصيبة، فتحولت شوارعه إلى ساحة عزاء كبرى. خرج أهالي المخيم دون تنسيق مسبق، في مسيرة صامتة، خالية من الهتافات والأناشيد.

اكتفوا برفع صور السيد وذرف الدموع، وعيونهم الشاخصة إلى الفراغ تمزج القهر بالثأر. يلخّص أحد أبناء المخيم المشهد بالقول: «لم يكن في قاموسنا احتمال أن نفقد السيد. كنا نوقن أن مصيره الشهادة، هذه نهاية تليق بمن كرّس حياته للقضية، ولكن لم نتخيل يوماً أن يسبقنا إلى هذه الخاتمة».

يروي لنا أحد المناضلين القدامى في «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» هَول الخبر، إذ هوى عليهم «صاعقاً، مزلزلاً، أخرجني عن طوري، أنا الذي لم تهزني خسارات رفاق الدرب والسلاح، الماركسي اللينيني، وجدتني أنوح على صاحب العمامة السوداء».

وأضاف أن حبه وارتباطه بالسيد لا يتوقفان عند حدود النضال والسياسة، بل «أنا كأب، أعجز أن أمنح أبنائي جميعاً مشاعر وتعاليم متساوية. أما السيد، فقد منح ما لا يستطيع أب أن يمنحه لابنه، إلى أمة كاملة».

وتصف أم طارق علاقتها بالسيد بأنها أعمق وأكثر تجذّراً من علاقتها بأي قائد سابق، ففي الماضي، «بكيتُ عبد الناصر الذي كان بقعة ضوء وأمل، ولكنّ فقدان السيد ليس كأي فقدان، لقد فقدنا النور كلَّه».

في «الشارع التحتاني» من المخيم، المعروف منذ حرب تموز باسم «شارع السيد حسن»، علت ملامح الفقد والقهر وجوه الناس. صور الشهيد التي تزين مداخل الحارات ودكاكين البقالة ومحلات الحلاقة، تحولت من رمز نضال إلى علامة فقدان.

يرى أبناء المخيمات أن سر هذا التعلق بالشخصية الاستثنائية للسيد يكمن في قدرته على تجاوز الأطر الحزبية والعائلية. فقد كان، بحسب وصفهم، مربياً للأمة كلها، ومناضلاً في سبيل تحريرها كلها من أغلال الاحتلال. خطابه لم يقتصر على السياسة فقط، بل تناول القضايا الاجتماعية والدينية والتاريخية، رابطاً مكارم الأخلاق بالدين، وملامساً تفاصيل حياة الناس. يقول يوسف، من مخيم عين الحلوة، إنه «ربّى جيلاً يذل الكيان، وأجاد تربيته. لقد رأينا فيه مكارم أخلاق أجداده».

في وجدان اليمنيين: قائد الأمة وسند المظلومين
منذ اللحظة التي برز فيها السيّد حسن نصر الله إلى قيادة المقاومة بعد استشهاد السيّد عباس الموسوي، نظر إليه اليمنيّون بوصفه نموذج القائد المجاهد ورأس الحربة في مواجهة العدوّ الإسرائيلي. لم يكن حضوره محصوراً بلبنان، بل تجاوز الحدود ليغدو رمزاً للأمة بأسرها.

كما امتدّ أثره إلى النخب اليمنية التي رأت في تجربة «حزب الله» بقيادته برهاناً على أنّ المقاومة هي السبيل الوحيد لاستعادة الكرامة. وكان الشهيد السيّد حسين بدر الدين الحوثي من أبرز المتأثرين بتجربة حزب الله، فوصف رجالها بـ«سادة المجاهدين»، واعتبر نصرالله قائداً من آل البيت، شاهداً على أن الأمة لا تزال قادرة على النهوض.

يصف محمد الفرح، عضو المكتب السياسي لـ«أنصار الله»، هذه العلاقة بأن الشعب اليمني «رآه أباً ورفيق سلاح وجهاد، وقدوة ومربياً، وقائداً حاملاً لراية الجهاد، ونموذجاً يجسد قيم الإسلام وعزته، ونتلمس فيه الطمأنينة على فلسطين ولبنان والشام»، مشيراً إلى أنه «كان حجر الزاوية أمام مخططات العدو، وحينما استشهد، تغيّرت معالم كثيرة في المنطقة».

ولفت الفرح إلى أن السيد الشهيد أسهم كثيراً في تشكيل وعي اليمنيين، وأن النقطة الفاصلة كانت بعد «التحرير عام 2000، إذ على إثره تأسس المشروع القرآني في اليمن عام 2001». وبعد هذا الانتصار، ازداد تعلّق اليمنيين بالسيد نصرالله، فقد «كنا نشتري خطاباته على أشرطة الكاسيت والفيديو، ونردد عباراته». كما شكل انتصار تموز 2006 وهزيمة إسرائيل حدثاً فارقاً، فقد «أعاد الأمل في الإسلام كمشروع حياة، وصارت تجربة حزب الله نموذجاً عملياً يجسد آيات القرآن»، وفقاً للفرح.

ومع اندلاع الحرب على اليمن، أعلن السيد نصرالله وقوفه مع اليمن، إذ «كنا وقتها نعيش حالة غربة، فهنالك أكثر من 17 دولة توحدت تحت ما سُمّي «التحالف العربي»، لتقصف اليمن وتفرض حصاراً خانقاً، فكان موقف السيد حسن نصر الله وحزب الله موقفاً عظيماً وصريحاً»، بتعبير الفرح، الذي يلفت إلى أن السيد كان يتحدث في خطاباته كطرف في تلك المعركة، «يعيش هموم اليمنيين ومعاناتهم ويحاول أن يكون عوناً لليمنيين مهما كان الثمن»، وأضاف أن «موقفه كلّفه الكثير، إذ تآمرت السعودية على «حزب الله» وعلى لبنان، ولكنه لم يتوقف ولم يتراجع ولم يساوم في موقفه المناصر لليمن».

يقول الصحافي عبدالرحمن الأهنومي إن العدوان عندما قصف أحد بيوت صنعاء وارتكب مجزرة، ظلّت صورة السيد معلّقة على أحد جدرانه، فكتب مقالةً قرأها السيد وتأثر بها بعنوان «الوفاء لسيد الوفاء» يشرح فيها كيف يعيش مع اليمنيين أيامهم ومعاناتهم، وتشعرهم صوره على الجدران بالأمان.

كما يؤكد الفرح أن العلاقة بين اليمنيين والسيد الشهيد تكرّست أكثر بوقوفه الصريح مع غزة، حيث «ضحّى بقادته ونفسه في سبيل ذلك الموقف المناصر للإخوة في غزة دون أن يتراجع».

أما عن استشهاده، فيقول الفرح إنه كان صادماً ومؤلماً، إذ عمّ الحزن اليمن كما عمّ عواصم الأمة. كان فقده خسارة للأمة والإنسانية، ولـ«80% من العالم الإسلامي. حتى تلك الحكومات التي طبّعت مع إسرائيل، لا يزال في شعوبها من تألم على السيد حسن نصر الله»، لأنه وقف ضد عدو الإنسانية «فكان تجسيداً لكل ما اجتمعت عليه الفطرة البشرية من أمور إيجابية، لذا كان خسارة للبشرية جمعاء».

وفي ذكرى استشهاده، يشير إلى أن «شهادته تحوّلت إلى حافز على الاستمرار، ومن جهتنا نجدد العهد له بالسير على نهجه حتى النصر أو الشهادة»، ويلفت إلى أنّ «التراجع خيانة لدمه، ولذا اشتدت عزيمة الناس بالتضحية والثبات وبشرف الإسناد للمظلومين في غزة»، خاتماً بأنّ «اليمن سيبقى ثابتاً، حتى نلقى الله منتصرين أو شهداء».

تلاقي التجربتين اليسارية والقومية مع المقاومة الإسلامية
في الوجدان العربي والعالمي، يتجسّد السيد الشهيد حسن نصرالله كقائد تجاوز حدود الأيديولوجيا الضيقة ليجعل من المقاومة مشروعاً إنسانياً شاملاً، يجد فيه اليساري والقومي والإسلامي مكانه الطبيعي.

يرى مروان عبد العال، عضو المكتب السياسي في «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، أن تجربة السيد نصرالله شكّلت نموذجاً متقدماً لكيف تتحوّل القيادة إلى قوة جماهيرية حقيقية حين تلتقي الكاريزما بالفكر التعبوي والحسّ السليم. بالنسبة إليه، كانت المقاومة فعلاً طبيعياً متجذّراً في وعي الشعب ومصالحه. ويستعيد مفهوم أنطونيو غرامشي عن «الهيمنة الثقافية»، حيث القيادة تنخرط بالناس وتصوغ وعيهم، فتتحوّل الأيديولوجيا من نظرية إلى ممارسة يومية ملموسة.

يرى عبد العال أنه بعد استشهاد الأمين العام للجبهة الشعبية أبو علي مصطفى عام 2001، برزت لدى السيد قدرة لافتة على قراءة اللحظة وإدارة الصراع بوعي ثوري. كان يؤمن أن «السياسة تسبق الأيديولوجيا»، وأن ما يوحّد يجب أن يتقدّم على ما يفرّق. هذا الموقف، في رأيه، يعكس وعياً يسارياً حقيقياً ويثبت أن الهوية الفكرية ليست عائقاً أمام توحيد الطاقات داخل حركات التحرر الوطني، شرط ألّا تتحوّل الخلافات إلى شلل يعيق المقاومة.

ويلفت عبد العال إلى أن هنا يتبلور الدرس الجوهري لليسار: التحرر ثمرة تكامل بين التيارات القومية واليسارية والإسلامية. ويشبّه تجربة المقاومة بما عرفته أميركا اللاتينية مع «لاهوت التحرير»، حيث قاد رجال الدين نضال الفقراء ضد الاستعمار.

واليوم، مع صعود المقاومة الإسلامية، يطلّ ما يمكن تسميته «لاهوت التحرير الإسلامي»، الذي جسّده نصرالله: إيمان يتحوّل إلى مقاومة، خطاب يرتكز على العدالة والكرامة، وممارسة تُدخل المقاومة في صلب الثقافة الشعبية.

من جهتها، تصف كريمة الروبي، عضو المؤتمر القومي العربي والقيادية في التيار الناصري الموحد بمصر، السيد حسن بأنه «نموذج الثوري المثالي»، فبالنسبة إليها، لم يكن رمزاً لبنانياً أو إسلامياً فحسب، بل أممياً أيضاً. تقول: «لقد جسّد في حياتنا مقولة جمال عبد الناصر: ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة.

كان امتداداً لنضال ناصر ضد الإمبريالية والصهيونية، وعانى من الرجعية العربية كما عانى ناصر. كنا نرى صورته فيه، ننتظر خطاباته كما كان العرب ينتظرون خطابات عبد الناصر، ونشعر باليتم برحيله كما شعرنا بعد رحيل ناصر».

أما في الغرب، فقد ترك السيد نصرالله أثراً عميقاً. يروي إيمانويل إيريار، المناضل الباسكي، أن أول ما جعله يتابع مسار «حزب الله» بجدّية أكبر كان مشاهد تحرير معتقل الخيام عام 2000، حين كسر المقاومون الأقفال وأطلقوا سراح الأسرى. كانت تلك المرحلة مفصلية في وعيه، لأن قضية الأسرى والمعتقلين كانت حاضرة بقوة في تجربته الشخصية كمناضل باسكي، ولأنه لمس الصلة بين صمود الأسرى الفلسطينيين واللبنانيين وبين ما كان يعيشه رفاقه في السجون الإسبانية من قمع وتعذيب. كما شكّلت لحظة انكسار لجدار الخوف، وأعطته دفعاً معنوياً كبيراً للاستمرار في النضال.

بعد أسبوع من بداية حرب تموز 2006، زار لبنان ضمن وفد دولي، ورأى من قرب وحشية الاحتلال. ولكن ما لفت انتباهه كان خطابات السيّد، وطريقته الاستثنائية في الحديث عن الحرب.

كان أسلوبه لافتاً في كيفية إدارته الحرب، ثم مخاطبته الناس وشرحه لهم ما يحدث بصدق وشفافية، وبندية واحترام، لا بفوقية أو تعالٍ. يقول «في الغرب نادراً ما نجد قائداً يخوض حرباً، وفي الوقت نفسه يشرح للجمهور خلفياتها ويبلور رؤية إستراتيجية متكاملة»، ورأى أن خطاباته كانت غنية على مستوى المضمون والبنية الخطابية معاً، تربوياً وسياسياً.

ويضيف أنه لم يجد في التاريخ رجلاً يجمع الناس حول خطابه ويحوّلهم إلى فاعلين عبر اشتراكات ومشتركات فكرية وسياسية. ومن منظوره كاشتراكي أناركي، وجد في دفاع المقاومة عن الجماعة صدى لفكرة الدفاع عن الطبقة في الفكر الاشتراكي، كما إنه رأى في التجربة اللبنانية نموذجاً يربط بين البعد العسكري والسياسي لبناء ميزان قوى جديد.

ويشرح أنه «لم أكن أتصوّر كيف يمكن لإسرائيل أن تُهزم، ولكن في لبنان رأيت كيف يكون العمل جماعياً، وكيف تتبلور إستراتيجية تربط بين الأبعاد السياسية والعسكرية، وتضع القضية الفلسطينية في سياقها الدولي، على قاعدة نضال طويل الأمد. كل هذا يصنع انتصارات، ولهذا كان انتصار 2006».

ويشير إلى أن استشهاد جيل كامل، من السيّد إلى إخوانه ليس بالضرورة هزيمة. الهزيمة الحقيقية هي الخيانة أو الهرب أو الكذب.

أما «حزب الله»، من وجهة نظره، فـ«يقول ما يفعل ويفعل ما يقول، القيادة لم تفرّ ولم تخن، بل بقيت صامدة تحت الاستهداف». ولفت إلى أن «المزاوجة بين الإرادة الأخلاقية والذكاء السياسي، اللذين يراكمان قوى، يمدّاننا بأمل النصر المشروط بتراكم قوى وإعادة توازن القدرات».

أما كالا وولش، الصحافية الشيوعية الأميركية، فتؤكد أن تصوير الإعلام الإمبريالي لنصرالله كزعيم طائفي هو كذبة، على العكس، كان نصيراً لمناهضة الطائفية والوحدة العابرة للأيديولوجيات، على قاعدة المقاومة ضد الصهيونية والإمبريالية الأميركية، وفقاً لها. وتشير إلى أنه «وضع المقاومة اللبنانية ضمن جبهة عالمية تمتد من فلسطين إلى كوبا وفنزويلا، مؤكداً دوماً أن الولايات المتحدة هي مركز الإمبريالية».

بهذا المعنى، تتجاوز شخصية السيد حسن نصرالله حدود التصنيفات التقليدية. ورغم استشهاده، لم يرحل القائد، بل تكرّس وعي يربط الشرق بالغرب، واليسار والقومية بالمقاومة الإسلامية، تحت راية الحرية والكرامة.

شارك المقال:

زر الذهاب إلى الأعلى