نور أخضر: إدمان أدوية الأعصاب في لبنان .. بين إهمال الرقابة واستغلال الحاجة

تقرير: نور أخضر

تُعتبر أدوية الأعصاب من الأدوية التي تؤثر على نظام العصب المركزي وتُستخدم لعلاج مجموعة متنوعة من الحالات الطبية.

تشمل هذه الأدوية فئات مختلفة من العقاقير مثل المهدئات، مضادات الاكتئاب، مضادات الصرع، والمنشطات العصبية، بالإضافة إلى العديد من الأدوية الأخرى التي تؤثر على نشاط الجهاز العصبي. تعتمد استخدامات أدوية الأعصاب على طبيعة الحالة الصحية والأعراض التي يعاني منها المريض.
فمثلاً، يمكن استخدام المهدئات لعلاج القلق والتوتر واضطراب فرط النشاط وفقدان الانتباه (ADHD)، في حين تُستخدم مضادات الاكتئاب لمعالجة الاكتئاب واضطرابات المزاج.

ومع ذلك، فإن استخدام هذه الأدوية يتطلب تقييمًا دقيقًا وتوجيهات من قبل الأطباء المؤهلين، نظرًا لاحتمالية حدوث آثار جانبية خطيرة، أبرزها الإدمان.
فعلى الرغم من فوائد أدوية الأعصاب في علاج العديد من الحالات الصحية، فإن استخدامها غير الصحيح أو المفرط يمكن أن يؤدي إلى مشاكل صحية خطيرة، بما في ذلك الإدمان والتسمم الدوائي. لذا، ينبغي استخدام هذه الأدوية تحت إشراف طبيب متخصص ووفقًا للتوجيهات الطبية الصحيحة.

يحدث الإدمان عندما يصبح الفرد معتمدًا على الدواء بشكل لا يمكنه الاستغناء عنه، ويشعر برغبة متكررة في تناوله، حيث أن العوامل البيئية والشخصية تأخذ دورًا مهمًا في تطوره، بما في ذلك التوتر النفسي، الضغوطات الاجتماعية، وتاريخ الإدمان في العائلة.

بعد تشخيص الطبيب لحالة المريض والتأكد من وجوب إعطاء دواء المعالجة (الاكتئاب أو التهابات الأعصاب وغيرها من أوجاع في الجهاز العصبي)، يعطي الطبيب المريض اسم الدواء، كيفية استخدامه والجرعة المناسبة لحالته.
إلا أن ما يحصل غالبًا هو مخالف تمامًا لهذا، فعندما يشعر المريض بالراحة، حيث أن الآلام قد بدأت تسكن قليلًا، يزيد جرعة الدواء طلبًا لتسكين الألم أكثر وبمدة أسرع.

ليس هذا فحسب، بل يعطي بعض مرضى الأعصاب الصلاحية لأنفسهم بتقديم جرعة من دوائهم لأحد معارفهم أو أقربائهم عندما يشتكي من وجع ما في جسده.
وما يحصل مرة غالبًا يُعاد، فتزيد الرغبة بتناول هذه “الحبة السحرية” دون الأخذ بعين الاعتبار مدى تأثير وضرر هذا الأمر على الجسد.

من جهة أخرى، يقوم بعض الأطباء ببيع وصفة طبية “بالعدد” دون تسجيل التاريخ ليتمكن المريض من شراء الدواء متى أراد، فيدوّن تاريخ اليوم أو اليوم الذي سبق، ليتبيّن أنها وصفة طبية جديدة ويعطيها للصيدلي، فيشتري الدواء ويستمر هذا الأمر بالحدوث لنقع في دوامة الإدمان.

تختلف طريقة إعطاء الدواء في بلدنا مقارنة مع بلدان أخرى كألمانيا مثلًا، يعالجون المرضى بطرق وآليات لا تضع المصاب في خطر الإدمان.

قد يلجأ بعض الأطباء إلى “بيع” الورقة التي يكتبون الدواء عليها بالعدد.
قد يتواطأ بعض الصيادلة في تأمين الأدوية للمريض دون وعي.
قد يلجأ المرضى إلى شراء جرعات كبيرة من الدواء عبر “السوق السوداء”.

تشكل السوق السوداء للأدوية تحديًا كبيرًا للصحة العامة.

تتضمن هذه السوق بيع الأدوية بطرق غير قانونية وغير مراقبة، مما قد يؤدي إلى تداول الأدوية المزورة، أو منتهية الصلاحية، أو غير الفعّالة.
ينتج عن ذلك خطر كبير على الصحة العامة، حيث يمكن أن تسبب الأدوية غير الصالحة آثارًا جانبية خطيرة أو تفاقم حالة المرض بدلاً من علاجها.

بين التهريب والتزوير والسوق السوداء، المريض في لبنان مرهون وحائر بين حاجته الملحّة للدواء وبين عدم معرفته إن كانت مزوّرة، فهل يكون نظام التتبع هو الحل؟

بحسب نقيب مستوردي الأدوية في لبنان النقيب كريم جبارة، ترسل المستشفى لائحة بأسماء المرضى لوزارة الصحة، فتوافق الوزارة عليها، ليتم بعدها تبليغ المستورد لتسليم الكميات المتفق عليها للمستشفى.

أما عملية التزوير، فتتم من خلال “شبكات” عبارة عن أشخاص خارج البلاد ترسل الدواء المطلوب مع أشخاص آخرين يترددون إلى لبنان.
أدوية سورية وتركية تباع على مواقع التواصل الاجتماعي وعلى العلن!
ويطلبها المواطن “أونلاين” وكأنها سلعة عادية، دون أن تخضع لأي رقابة من الجهات المعنية.

تصل إلى المواطن، بعضها مزور، وبعضها الآخر يكون غير محفوظ بشكل جيد، مما يشكل خطرًا على صحة المريض.

يكشف الصيادلة الدواء المزوّر من خلال شكل العلبة أو لون السائل الذي يكون مختلفًا نوعًا ما.

من جهة أخرى، يصرّح نقيب الصيادلة جو سلوم أن نظام التتبع المخصص للأدوية المدعومة هو الأساس، وأن حوالي 8 ملايين دولار هدرت على الدواء خلال 4 سنوات، كما أنه تم تهريبها إلى خارج البلاد من خلال شبكات تواطأت فيما بينها على ذلك.

يكمل سلوم:
كان رأي أغلب الصيادلة أن نظام التتبع لن يفيد على صعيد الأدوية غير المدعومة، بل سيزيد من عملية تهريب الأدوية. كما أن هذا الأمر يفترض أن يكون ضمن نظام متكامل يبدأ من الأطباء وينتهي في الصيدلية، ويعتبر أن إعطاء الدواء للمريض من دون “ورقة من الطبيب” هو أمر غير سليم.

بحسب النقيب سلوم، فنسبة استيراد الأدوية الشرعية تراجعت من 80 مليون علبة إلى 37 مليون علبة منذ عام 2019، وهذا يدل على نمو السوق غير الشرعي وازدياد الخطر على صحة المواطن من جهة، وعلى خزينة الدولة من جهة أخرى.

ليس هذا فحسب، فأسعار الدواء المزوّر تكون ثلاثة أضعاف سعر الدواء الشرعي، ما يُباع بآلاف الدولارات لا يتجاوز سعره الحقيقي 50 دولارًا.

في المقابل، يوضح أحد الصيادلة أن السوق السوداء هي لتأمين الأدوية المقطوعة بأسعار جيدة، فيما أن التهريب هو ما لا يُستورد من تركيا أو سوريا مثلًا بطريقة غير شرعية، ويتسبب بضرر صحي للمريض وبضرر مالي لخزينة الدولة.

ويكشف أن الدواء الذي لا يحتاج إلى وصفة طبية لشرائه، لا يمتنع الصيدلي عن بيعه بالكميات التي يطلبها المشتري، حتى لو كان لمعالجة الأعصاب.
أما الدواء الذي يحتاج إلى وصفة طبية من الطبيب المختص، فنعطيه مع تسليمه إياها لنا.

على المقلب الآخر، وفي الوقت الذي يشهد فيه لبنان تزايدًا ملحوظًا لحالات الإدمان، بات من المهم جدًا تسليط الضوء على هذا الأمر.

لفهم المشكلة ومعرفة كيفية معالجتها لمدى تأثيرها على المدمن ومحيطه، أجرينا مقابلة مع الدكتور حسن برجي، متخصص في الأمراض العصبية والنفسية والإدمان، في مركز لبنان للتشخيص الطبي وفي مستشفى الشيخ راغب حرب.

شرح د. برجي أن الأدوية التي لا تحتاج إلى “وصفة طبية” لا تُسبب الإدمان، فلا خطر على المريض منها.
أما الأدوية التي تُسبب الإدمان فتعطى بوصفة موحدة.

تكمن المشكلة في أمرين:

  1. الذين يحصلون على الأدوية من الخارج (كتركيا وسوريا وإيران مثلًا) والتي تُباع غالبًا بشكل غير متوازن.

  2. الصيادلة الذين يبيعون الأدوية التي تحتاج إلى وصفة بشكل عشوائي، أي من دون الوصفة الطبية.

استرسل في شرح هذه الفكرة؛ تعطى وصفة موحدة إلى الصيدلي، فيسجّل أنه باع علبة كاملة، في حين أنه باع ظرفًا واحدًا فقط، في المقابل يعطي ظرفًا من الدواء إلى مريض يعرفه لم يؤمّن وصفة من طبيبه.

أما فيما يتعلق بنا، فنحن بالتأكيد نُخبر المريض عن الدواء الذي يمكن أن يُسبب الإدمان، ونُشدد على كيفية استعماله.

وتابع برجي:
لكي نضع الأمور في نصابها، يوجد العديد من الأطباء لا يلتفتون إلى مدى خطورة هذه الأدوية، بل يعتبرون أنهم بهذه الطريقة يُؤمّنون الراحة للمريض.
حتى أن بعض الأطباء يتاجرون بالوصفات الطبية / “روشتة” ويبيعونها للمريض.

وردًا على سؤال: ما هي الإجراءات التي تُتخذ لمحاسبة المسؤولين عن تعرض المريض للإدمان؟ وكم يبلغ عدد المدمنين تقريبًا؟

شرح برجي أنه في حال ثبت أن الطبيب يعطي دواء معين بهدف الترويج للمخدرات، يُسجن لأن هذا جرم يُعاقب عليه القانون.
لكن غالبًا ما يُسجل أن الطبيب يعطي الدواء كوصفة علاجية، فلا يُحاسب الطبيب إلا في حال رُفعت دعوى عليه لدى النقابة لتقوم بدورها بالتحقيق واتخاذ الإجراءات اللازمة.

وتأسف برجي ذاكرًا أن غالبية الأهالي لا يدركون أهمية هذا الأمر أو أن لجوءهم للقانون يسبب إرباكًا بعض الشيء.

واسترسل د. برجي:
عدد المدمنين هو هائل جدًا.
ونشير إلى أن عدد المدمنين على أدوية الأعصاب والأدوية النفسية هو أقل بكثير من عدد المدمنين على المخدرات.
لكن ليس لدينا رقم تقريبي، إنما نستطيع ملاحظته من خلال كثرة المراجعين وعدد المرضى الذين يدخلون المستشفيات.

أما عن طريقة العلاج، فتوجد خطط عدة:

  • إما أن يُوقَف الدواء تدريجيًا في المنزل

  • أو أن يُلجأ إلى المستشفى لتنظيف الجسم

  • حتى أن بعض المرضى يحتاجون بعدها للدخول إلى مركز لإعادة التأهيل لمدة قد تستغرق ستة أشهر تقريبًا لتكملة العلاج.

تستمر الجهات المعنية في التحفّظ على حالات إدمان أدوية الأعصاب، مما يُساهم في تعقيد جهود مكافحة هذه المشكلة المتنامية.

غالبًا ما تُحاط هذه الحالات بسرية شديدة نتيجة للوصمة الاجتماعية المرتبطة بالإدمان، والتي تؤثر بشكل كبير على سمعة الأفراد وأسرهم.

يمتد هذا التحفّظ إلى الأطباء والممارسين الطبيين كالصيادلة، الأخصائيين النفسيين، الممرضين وغيرهم، الذين قد يترددون في الكشف عن المعلومات الكاملة حول معاناة المرضى مع الإدمان، بسبب الخوف من التداعيات القانونية أو الاجتماعية.

نتيجة لهذا التحفظ، يعاني المرضى وأسرهم في الخفاء، دون الحصول على الدعم الكافي أو المعلومات اللازمة للتعامل مع هذه المشكلة بفعالية.

عدم الإفصاح عن المعلومات المتعلقة بالإدمان يجعل من الصعب على المجتمع إدراك حجم المشكلة والعمل على إيجاد حلول فعالة.
إضافة إلى ذلك، تفتقر البرامج العلاجية والدعم النفسي إلى الموارد والتوجيهات اللازمة بسبب نقص البيانات والمعلومات المتاحة.

فبات من المهم أن تتبنى الدول سياسات أكثر شفافية، وتشجيعًا للأطباء والممارسين على مشاركة المعلومات بحرية أكبر.
حيث أن تعزيز التعاون بين الهيئات الصحية والمجتمعات المحلية يمكن أن يُسهم في تقديم الدعم المناسب للمدمنين وأسرهم، ويُساعد في تقليل الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالإدمان.

بدون هذا التحول، ستظل الجهود المبذولة لمكافحة إدمان أدوية الأعصاب محدودة التأثير، وسيستمر العديد من الأفراد في المعاناة بصمت وسرية.

شارك المقال:

زر الذهاب إلى الأعلى