الدكتور علي أحمد “الانتخابات البلدية .. انتصار بيئة لا تكسر”
الباحث في الاعلام والاتصال السياسي الدكتور علي محمد أحمد
طيلة الأسابيع الماضية، حاول البعض تحويل الانتخابات البلدية إلى محطة ضغط مكثف على بيئة صلبة، فانطلقت حملات نُفذت ضمن سياق نفسي واجتماعي وسياسي خانق، بهدف كسر إرادة هذه البيئة وتفكيك تماسكها الداخلي، تمهيدًا لمعركة أشد: الانتخابات النيابية المقبلة، حيث يجري الرهان الأكبر على اختراق البلوك الشيعي ولو بمقعد واحد.
لم يكن الهدف بلدية هنا أو هناك. الرهان الحقيقي كان على إسقاط الإرادة، وزرع الوهم بأن زمن الثنائي انتهى، وأن حضوره في بيئته تراجع، وأن الصوت الوحدوي لم يعد جامعًا.
في بعلبك بشكل خاص والبقاع بشكل عام، وقف السعودي بوجه كل المحاولات التوافقية ومارس ضغوطًا مباشرة وعلنية على شخصيات روحية بارزة عُرفت باحتضانها للتنوع والوحدة الإسلامية والوطنية. كما طُلب من جمعيات “متحالفة تاريخيًا مع خط المقاومة” الانسحاب من أي عملية توافقية، ما مثّل خرقًا واضحًا للتقاليد السياسية والاجتماعية في المدينة.
في المقابل، كانت ماكينة إعلامية عربية تعمل على مدار الساعة، فبعثت قناتا “الحدث” و”العربية” وأخواتها مراسليها إلى بعلبك، ولم تتوقف نشرات أخبارها عن بث تقارير وأخبار عاجلة لأكثر من 15 يومًا عن الحدث العالمي: انتخابات بلدية مدينة بعلبك.
ورغم كل هذه الضغوط، فاجأت البيئة الجميع:
• المشاركة جاءت كثيفة وفوق التوقعات.
• النتائج أربكت الخصوم ورفعت منسوب الثقة في الشارع.
• الخيارات عبّرت عن وعي ناضج وانحياز صريح للمقاومة.
• الشعارات خرجت من صميم الوجدان الشعبي، لا من غرف الحملات.
• التنظيم الميداني والسياسي عكس جاهزية عالية رغم الاستهداف.
ما جرى كان بمثابة صفعة سياسية خماسية الأبعاد “للأمير يزيد” ومشروعه ومن راهن معه.
أما في بيروت، سقطت كل الاتهامات التي لاحقت الشيعة بأنهم يسعون للمثالثة أو لتفكيك الصيغة اللبنانية. الواقع أن الثنائي الوطني أثبت أنه الحامي الأول للوحدة الوطنية، والضامن لتوازن العاصمة. فلو قاطع الشيعة الانتخابات بالأمس، لكان البلد أمام مشهد انقسام وخطاب حرب أهلية مفتوح.
الثنائي الذي قدّم خيرة شبابه دفاعًا عن لبنان، يثبت مرة بعد مرة أن المسؤول عن حماية هذا البلد هو من يحفظ الميثاق والتوازن، لا من يهددهما.
وفي الجنوب، فقد أتت سلسلة التزكيات تعبيرًا صريحًا عن انسجام شعبي عميق مع خيار المقاومة. أعلنت الناس موقفها بصوت واضح: هذا الخيار هو خيارنا، وهذا الطريق هو طريقنا، ولا مكان فيه للمناورات ولا للمغامرات.
الانتخابات البلدية جسدت انتصار بيئة تعيد التأكيد أنها ما زالت صلبة، واعية، متمسكة بخياراتها. رغم كل الضغوط، وكل الحملات، ثبت أن الانتماء لا يُشترى، وأن الرهان على التعب والإحباط خاسر.
كما في كل مرة، ضاعت الأموال، وتكسّرت الرهانات على أعتاب هذه البيئة المقاومة التي تعرف جيدًا من هي، وإلى أين تتجه.
لكن المعركة لم تنته. نحن أمام عام كامل من الضغط المركّز، إعلاميًا ونفسيًا وسياسيًا، لتعويض الفشل المدوي في هذا الاستحقاق. ستُستخدم كل الأدوات الممكنة: حملات إعلامية، تسريبات، إشاعات، ومال سياسي، وربما تدخلات جديدة، وأبواق سيرتفع صوتها كثيرًا في المرحلة المقبلة بهدف ترميم الخسارة وخلق واقع بديل.
لكن هذه البيئة اليوم أقوى. وعيها أعلى. حضورها أرسخ. وهي لا تكتفي بالدفاع، بل تتقدم لتقول: نحن الرقم الأصعب في معادلة الوطن.
