كلمة الاستاذ أحمد وهبي في ذكرى ثلاث المرحومة سلطانة وهبي “أم علي”

قلت في الذكرى الثالثه لوفاة العمه سلطانه وهبي
المرحومة هي امرأة مثلها كمثل أبناء جيلها .
جيل كد وجد .. تعب وعرق .. جيل الزرع والسهل . جيل الجبل والوعر ….
جيل لم تراهن الشمس يوما غافيات ولا استطاعت دغشة الصباح أن تفارقهن . لقد شبكن العتم بالضوء والليل بالنهار . هن من أوصلنا الشمس للبحر عشية وقمن قبل صلاة الفجر لملاقاتها
هن الذين لم يقبلن بأقل من دزينة أفراد بين صبايا وشباب .. وهن من أعتمدنا على أنفسهن بالصراع الدائم مع هذه الحياة ليتغلبن على فقرهن وقلة حيلهن … فأعطاهن الله قوة إضافية استطعن بها وبأيمانهن أن يتحملن مشقة حمولة الحطب على رؤوسهن … وأن يتأخين مع نار الصيجان الحامية لتأمين لقمة العيش . إلى تنظيف الأمكنة وتجهيز الأطعمة وتعبئة الجرار المليئة بماء الدم . إلى أجران الملح ، بلاطة اللحم ، جرن القهوة العربية وتجهيز المونة البيتية الكاملة …. وفي صقيع أشد من أيامنا هذه لا ننسى لكن الغسيل المعرم بأوساخنا …
كل هذا كان يحصل معهن دون تأفف أو منة وجميل .
كنا نرى من خلالها الفطرة السليمة والطيبة الفريدة . صفاء السريرة . هداوة البال وطرافة الكلام .
هي من جيل كانت فساتينهن ستارا
ومناديلهن جدارا وصدورهن كانت غذاءا وكلامهن كان دعاء ….بسماتهن كانت تبعث الأمن والأمان والطمأنينة … كن يتسابقن مع الزمان من مكان إلى مكان . هن كل الحكاية والروايه وكل أشكال العنايه .
لقد رسم الدهر على جباههن خيوطا بارزة وعلى أيديهن أخداشا وآثار ….
والله إن عمل كل أمرأة أيامهن في تلك الحقبة يساوي ويعادل عمل عشرين أمرأة أيامنا هذه مع الكثير من التأفف والغنج والدلال لنساء اليوم حيث لا يربحن منة منا ولا جميل . حتى لو جلبت المن والسلوى وأنجزت كل المهمات الصعبة .
أقول هذا الكلام من أجل ان نتذكر ونذكر هذا الجيل بتاريخ أهلنا وأهلهم . ابائنا وابائهم . أجدادنا واجدادهم . فقط من اجل ان نعرف نحن أبناء من …. أو من نحن من هؤلاء العظام … علنا ان نتعلم من تاريخ هؤلاء الأفاضل بأن كل الناس متساوية … لا يوجد أحد أفضل أو أهم أو أكبر أو أكثر احتراما من الآخر … إلا من خلال سيرة حسنة وأخلاق مميزة وتواضع كبير . شرط أن نتخلى عن كل الشوائب التي ألمت بمجتمعنا هذا . من غرور وشوفة حال مقيتة وأنانية بغيضة …. كل هذا من اجل ان تهون هذه الدنيا بأعيننا … علنا نستفيق من كابوس ونعود إلى زمن الماضي الجميل …
وأخيرا قلت : وكأني بلسان حال المرحومه تشتكينا لأهلنا الذين سبقوها لتقول :
أولادكم تعلموا وأخذوا الشهادات والإجازات إلا انهم محبطون فهم لا يعملون
أولادكم تراهم يضحكون مع أنفسهم كالبلهاء مع الاتهم الصغيرة
أولادكم يحتقرون أمثالنا لأننا لا نعرف القراءة والكتابة ويتباهون علينا وهم كسالى
أولادكم لا يستطيعون إشباع بطونهم … همهم فقط المظاهر الكذابه
أولادكم لا يسمعون ولا يقشعون ولا يحترمون كبارهم … لقد تكبروا علينا
أولادكم يأكلون ولا يعملون ولم يعرفوا التعب ولا عرق العافيه .
لكنهم يعيشون في بلد فلتان …. لا أحدا يطيق أحد … لا يوجد لديهم حكومة تدير شؤونهم ولا يوجد توافق على وزير واحد يريح بالهم …. حتى القروض السكنية قضت على أحلامهم . ما عادوا يستطيعون بناء بيت او أيواء أمرأه ………..
كل ما يشفع لهم في هذه الحياة فقط انهم يعشقون ويتغنون بحب المقاومه ….. والسلام

شارك المقال:

زر الذهاب إلى الأعلى