بيروت في مرمى العاجز: حين يكون القصف اعترافاً بالهزيمة

○ مقدمة: الغريق لا يهدد، يتخبط
لا يلجأ الجيش المنتصر إلى تهديد العواصم. يلجأ إليها الجيش الذي استنفد خياراته في الميدان، وبات يبحث في القصف البعيد عما عجز عن تحقيقه بالدبابة والجندي. ما كشفته مصادر هيئة البث الإسرائيلية عن طلب رئيس الأركان إيال زمير مهاجمة مبانٍ في بيروت، وما رافقه من صراخ بن غفير بالعودة إلى الحرب، ليس قرار قوة. إنه “صرخة أزمة” تصدر من مؤسسة عسكرية وصلت إلى جدار لا تعرف كيف تتجاوزه.
○ ثلاث حقائق تصنع كارثة واحدة
أولاً: الليل لم يعد ملاذاً
في عيد المقاومة والتحرير، أدخل حزب الله متغيراً يُرعب كل عقيدة عسكرية تقليدية: المحلقة الانقضاضية الموجهة بالألياف الضوئية والمزودة بكاميرا حرارية. معنى ذلك بلغة عسكرية صارمة: الجندي الإسرائيلي الذي كان يعاني من شلل يبلغ 70 إلى 80 بالمئة نهاراً، فقد الليل أيضاً. البصمة الحرارية لا تخفيها شبكة تمويه، ولا تحجبها مظلة، ولا يمحوها ظلام. كل جسد يبث حرارة هو هدف مضاء على شاشة المشغل. الصدمة التي ضربت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أمس ليست تكتيكية، بل هي “صدمة عقائدية” تطعن في صميم منطق العمليات الليلية برمته.
ثانياً: معادلة المنزل بالمنزل تُفعَّل رسمياً
حزب الله لا يلوّح بمعادلة المدني بالمدني والمنزل بالمنزل، بل بات يُنفذها على أرض الواقع بمنهجية باردة ومحسوبة. ثلاث مسيرات انفجرت داخل إسرائيل منذ صباح يوم العيد، إحداها على مبنى في المطلة. هذا ليس رداً عشوائياً، بل هو “تثبيت قانون ميداني”: لكل فعل إسرائيلي في الجنوب اللبناني ثمن مباشر يُدفع في الشمال الإسرائيلي. ومستوطني الشمال باتوا يعرفوا معنى هذه المعادلة قبل أي جنرال.
ثالثاً: القيود الأمريكية تخنق الاستقلالية
الاعتراف الأخطر جاء من رئيس الأركان نفسه حين قال صراحة: “إسرائيل ليست لديها استقلالية في لبنان بسبب القيود الأمريكية.” هذه الجملة تختصر المشهد كله. جيش يطلب ضرب بيروت لكنه مقيّد، ووزير يصرخ بالعودة للحرب لكن واشنطن لا توافق، وترامب نفسه يقول إنه أبلغ ممثليه بعدم التعجل مع إيران. المشهد الإسرائيلي اليوم هو مشهد “الأسير الذي يتوعد”، والتوعد من القيد ليس قوة، بل فضيحة استراتيجية.
○ الخاتمة: التحرير الثالث يُحدد موعده بنفسه
إسرائيل اليوم أمام معادلة لا مخرج منها: إن ضربت بيروت فتحت جبهة لا طاقة لها بها وفقدت آخر ما تبقى من غطاء دولي. وإن لم تضرب كشفت عجزها أمام شعبها وجيشها معاً. أما حزب الله فيقاتل اليوم بمنطق من يعرف أنه يربح الزمن: يشل النهار بالمحلقات، ويغلق الليل بالكاميرا الحرارية، ويضرب العمق بالمعادلة المُعلنة.
الجنوب صابر ونازح ومُحتسب. والمقاومة تصنع في الميدان ما يصنعه التاريخ مرة كل جيل.
حررنا عام 2000 بالصمود. حررنا عام 2006 بالصواريخ. التحرير الثالث يكتب فصوله الآن، بعين لا تنام وبصمة حرارية لا تكذب.